اخترنا لكم

بلجيكا وإيران.. اليوم الأسود وما بعده


صفقة تبادل السجناء بين بلجيكا والنظام الإيراني، إذا تمت بالفعل، فإنها ستكون يوما أسود للعدالة، ونصرا ساحقا للإرهاب.

 

ولكن هذه الصفقة يجب ألا تكون هي القول الأخير في هذا النمط المنهجي من أعمال الابتزاز. بل وقد يمكن معالجة حتى هذه الصفقة نفسها في إطار جماعي أكثر إيجابية.

تقصد هذه الصفقة إعادة “الدبلوماسي” الإيراني أسد الله أسدي، المسؤول عن محاولة تفجير مؤتمر للمعارضة الإيرانية في إحدى ضواحي باريس عام 2018، والتي تم إحباطها في الساعات الأخيرة. ولو أن القنابل التي أُعدّت للتفجير في قاعة المؤتمر قد انفجرت، فإن أعداد الضحايا كانت ستبلغ المئات، بينهم العديد من الشخصيات السياسية الكبيرة من مختلف أرجاء العالم، والتي كانت تشارك في المؤتمر.

حوكم “أسدي” بأدلة لا يرقى إليها الشك، وباعترافات صريحة من شريكيه في العملية، وهما الزوجان نسيم نعامي وأمير سعدوني.

ما يحصل الآن من جهود لإطلاق سراح “أسدي” كان أمرا معروفا له، منذ الساعات الأولى للقبض عليه. فهو واجه المحققين باستخفاف متواصل، وتوعّدهم بـ”الانتقام”، وبأنه “سيعود في النهاية حرا طليقا إلى إيران”. كما رفض تقديم استئناف للحكم الذي قضى بسجنه عشرين سنة. ببساطة، لأنه كان يعرف مسبقا أن صفقة من هذا النوع ربما سوف يتم طبْخُها لإطلاق سراحه. وعندما يعود إلى طهران، فمن غير المستبعد أن يتزعم فرعًا “دبلوماسيًّا” للإرهاب تقديرًا لجهوده.

الاستنتاجات، التي يتداولها المعنيون بهذه القضية، وبينهم قادة في الكونجرس ومسؤولون من مختلف أرجاء العالم، لم تترك شيئا لم تقله بشأن أن هذه الصفقة “تشكل تشجيعا للإرهاب”، و”ضمانا للإفلات من العقاب”. بل إن التنظيمات الإرهابية الأخرى التي يرعاها النظام الإيراني سوف تشعر بالحصانة أيضا.

تلك العملية الإرهابية لم تكن الأولى على أي حال. فقد سبقتها عمليات اغتيالات أخرى، ونجح منفذوها في الإفلات من العقاب. كما لم تُتخذ إجراءات صارمة ضد المصالح والبعثات الدبلوماسية الإيرانية لمنعها من تكرار ما نفذت من جرائم.

ولقد اتخذ النظام الإيراني اعتقالات الرعايا الأجانب بتهم زائفة وسيلة لتحقيق صفقات من هذا النوع.

وفي كل مرة من مرّات المساومات، فقد كان النظام الإيراني يحصل على مكسب مقابل إطلاق سراح أي رهينة لديها. ولدى هذا النظام نحو 20 رهينة أخرى.

وكل واحد منها يساوي إما مبلغا ضخما من المال، وإما صفقة لتغطية عملية إرهابية، وإما تبادلا للسجناء. والتبادل هو في الواقع: مواطنون أجانب ذهبوا إلى إيران، للسياحة أو لأغراض عائلية، فأصبحوا رهائن، في مقابل إرهابيين أو مجرمين تمت إدانتهم.

لا عجب في أن تكون بلجيكا قد تعرضت للابتزاز أو حتى التهديدات، ليس بشأن مواطن واحد محتجز لدى نظام طهران، بل وربما في مجالات أخرى تتعلق بمصالحها. وبالنظر إلى وجود سوابق، فإن تمرير الصفقة الجديدة يمكن أن يتم في النهاية رغم كل الاحتجاجات والانتقادات والرسائل التي وصلت إلى البرلمان ورئاسة الوزراء في بلجيكا.

لا يغير شيئا أن هذه الصفقة ومثيلاتها ستكون يوما أسود إضافيا للعدالة. ولكنها أمر يتطلب النظر إليه ومعالجته بوسائل أخرى.

بعض البراجماتية ربما يجيز على سبيل المثال الجمع بين أمرين متلازمين:

الأول، أن تكون الصفقة شاملة بحيث لا تُبقي رهينة أجنبية معتقلة في سجون إيران، مقابل إعادة كل ما لدى النظام الإيراني من إرهابيين. وذلك لإغلاق الملف دفعة واحدة. بدلا من صفقة هنا وأخرى هناك.

والثاني، إصدار تحذيرات رسمية لكل الذين يرغبون في الذهاب إلى إيران، لأي سبب من الأسباب، تقول لهم إنهم يغامرون بالتعرض للاعتقال ليصبحوا رهائن، وإنهم يتحملون المسؤولية عما يمكن أن يقع لهم، بحيث لا تعود دولهم مسؤولة عن ضمان سلامتهم، وأنها لن تدخل في صفقات للإفراج عنهم يمكن أن يُنظر إليها على أنها “مُخزية”، أو تشكل تشجيعا للنظام الإيراني لزعزعة استقرار المنطقة أو لاحتجاز ضحايا آخرين.

تحذير صريح من هذا النوع يفترض أن يرفع عن كاهل الحكومات الأجنبية عبء التعرض لأعمال ابتزاز، ويحمي أنظمتها القضائية، كما يمكنه أن يجعل النظام الإيراني يفهم أنه لن يستفيد شيئا إذا ما واصل احتجاز أبرياء لمجرد أنه ينظر إليهم على أنهم “بضاعة صفقات”.

عدم إصدار هذا التحذير الرسمي حتى الآن، هو نفسه، يثير الشكوك بأن الذين يتعرضون للابتزاز، راغبون فيه أصلا.

الدول المعنية لا يفترض أن تعالج هذه القضية كل على انفراد. فبما أنها منهج إيراني واضح، وبما أن دولا عدة في العالم تجد نفسها في محنة مماثلة، فإن إجراءً جماعيا، قد يتخذه مجلس الأمن الدولي، أو المجموعات الدولية، مثل الاتحاد الأوروبي، يفرض حظرا على صفقات من هذا النوع، كما يفرض عقوبات على أعمال الابتزاز التي تترافق معها، أو يقدم تعميما للتحذير يقول لكل مَنْ يرغب في السفر إلى إيران: أنت تفعل ذلك على مسؤوليتك الخاصة، وأنك يمكن أن تصبح رهينة من رهائن الابتزاز، وإننا لن نتورط في صفقة “مُخزية” من أجل إنقاذك.

وبحكم أن المسألة مسألة منهج، فإن يافطة في كل المطارات الغربية لكل الرحلات الذاهبة إلى إيران يمكنها أن تعيد تأكيد التحذير الرسمي، ليفهم الذاهبون أنهم ذاهبون بأقدامهم إلى جحيم قد يأخذ من حياتهم سنوات، وقد لا ينجون منه إلى الأبد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى